الشيخ السبحاني
462
بحوث في الملل والنحل
النقيضين وارتفاعهما ، بحيث لو ارتفع التصديق بهما لما أمكن التصديق بشيء من القضايا ولذا تسمّى ب « أُمّ القضايا » فلا يحصل اليقين بأنّ زوايا المثلّث مثلًا تساوي قائمتين ، إلّا إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضيّة ، أي عدم مساواتها لهما . وإلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة ، ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ إقامة البرهان على المسائل النظريّة إنّما تتمّ إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا الّتي قد عرفت . وعلى ضوء هذا البيان نقول : كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهيّة أو قضايا أوّليّة تنتهي إليها ، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي يجب أن تنتهي إلى قضايا أوّليّة وواضحة عند ذلك العقل ، بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العمليّة لما صحّ التصديق بقضيّة من القضايا فيها . فمن تلك القضايا البديهيّة في العقل العملي مسألة التحسين والتقبيح العقليّين الثابتين لجملة من القضايا مثل قولنا : « العدل حسن » و « الظلم قبيح » و « جزاء الإحسان بالإحسان حسن » و « جزاء الإحسان بالإساءة قبيح » . فهذه القضايا قضايا أوّلية في الحكمة العمليّة ، والعقل العملي يدركها من ملاحظة القضيّة بنفسها وفي ضوئها يحكم بما ورد في مجال العقل العملي من الأحكام المربوطة بالأخلاق أوّلًا ، وتدبير المنزل ثانياً ، وسياسة المدن ثالثاً ، الّتي يبحث عنها في العقل العملي . وليس استقلال العقل في تلك القضايا